ابن الجوزي

98

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

فكتب معاوية إلى قيس بن سعد [ 1 ] : سلام عليك ، أما بعد ، فإنكم كنتم نقمتم على عثمان في أثرة رأيتموها ، أو ضربة بسوط ضربها ، فإنكم قد علمتم أن دمه لم يكن يحل لكم ، فتب إلى الله يا قيس بن سعد ، فإنك كنت من المجلبين على عثمان بن عفان ، فأما صاحبك فقد استيقنا أنه الَّذي أغرى الناس به ، وحملهم على قتله ، فإن استطعت يا قيس أن تكون ممن يطلب بدم عثمان فافعل ، تابعنا على أمرنا ، ولك سلطان العراق إذا ظهرت ما بقيت ، ولمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان . وسلني غير هذا مما تحب . فلما جاءه كتاب معاوية أحب أن يدافعه ، فكتب إليه : أما بعد ، فقد بلغي كتابك ، 37 / ب وفهمت / ما ذكرت فيه من قتل عثمان ، وذلك أمر لم أفارقه ، وذكرت أن صاحبي هو الَّذي أغرى الناس بعثمان ، وهذا لم أطلع عليه ، وأما ما سألتني من متابعتك وعرضت عليّ من الجزاء فيه فهذا أمر لي فيه نظر ، ولن يأتيك شيء تكرهه . فلما قرأ معاوية الكتاب كتب إليه : أما بعد ، فإنّي لم أرك تدنو فأعدك سلما ، ولم أرك تباعد فأعدك حربا ، وليس مثلي ينخدع ومعه عدد الرجال ، وبيده أعنة الخيل . فلما قرأ كتاب معاوية ، ورأى أنه لا يقبل منه المدافعة ، كتب إليه : بسم الله الرحمن الرحيم من قيس بن سعد إلى معاوية بن أبي سفيان ، أما بعد ، فالعجب العجيب من اغترارك [ 2 ] وطمعك في أن تسومني للخروج من طاعة أولى الناس بالإمارة ، وأقولهم للحق [ 3 ] ، وأقربهم من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وتأمرني بالدخول في طاعة أبعد الناس من هذا الأمر ، وأقولهم بالزور ، وأضلهم سبيلا ، وقولك إني مالئ عليك مصر خيلا ورجلا [ 4 ] ، فوالله لأشغلنك بنفسك حتى تكون نفسك أهم إليك ، إنك لذو جدّ ، والسلام . فلما أتى معاوية كتاب قيس أيس منه ، وثقل عليه مكانه . قال الزهري : كان معاوية وعمرو بن العاص جاهدين أن يخرجا قيسا من مصر

--> [ 1 ] تاريخ الطبري 4 / 550 . [ 2 ] في الأصل : « فالعجب العجب من اغترارك » . [ 3 ] في أ : « وأقر لهم بالحق » . [ 4 ] في ابن الأثير : « خيلا رجالا » .